محمد بن علي الشوكاني

3405

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

السُّفَهَاءَ ( 1 ) أَمْوَالَكُمُ } ( 2 ) تمكين المرأة ( 3 ) من مال الرجل ، كما ذكره السائل - عافاه الله -

--> ( 1 ) وأصل السفه في كلام العرب : الخفة والرقة . ويقال : ثوب سفيه ، إذا كان رديء النسخ خفيفه أو كان باليا رقيقا , وتسفهت الرياح : اضطربت ، وتسفهت الريح الغصون : حركتها واستخفهتا ، وقال ذو الرمة : مشين كما اهتزت رماح تسفهت . . . أعاليها مر الرياح النواسم وتسفهت الشيء : استحقرته . وقيل : السفه : خفة الحلم ، نقيض الحلم ، وأصله الخفة والحركة . ويقال : إن السفه أن يكثر الرجل شرب الماء فلا يروى . ويجوز في همزتي السفهاء أربعة أوجه ، أجودها أن تحقق الأولى وتقلب الثانية واو خالصة . وهي قراءة أهل المدينة ، والمعروف من قراءة أبي عمرو . " اللسان " ( 6 / 287 - 289 ) . . ( 2 ) [ النساء : 5 ] . ( 3 ) قال ابن جرير في " جامع البيان " ( 3 ج‍ 4 / 245 - 248 ) : اختلف أهل التأويل في السفهاء الذين نهى الله جل ثناؤه عباده أن يؤتوهم أموالهم ، فقال بعضهم : هم النساء والصبيان . ثم قال بعد ذكر أقوال مختلفة في معنى " السفهاء " : والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } فلم يخصص سفيها دون سفيه ، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيها ماله صبيا صغيرا كان أو رجلا كبيرا ، ذكرا كان أو أنثى ، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله ، هو المستحق الحجر بتضييعه ماله فسادا وإفساده ، وسوء تدبيره ذلك . وإنما قلنا ما قلنا من أن المعنى بقوله : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ } هو من وصفنا دون غيره ، لأن الله جل ثناؤه قال في الآية التي تتلوها : { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } فأمر أولياء اليتامى بدفع أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح ، وأونس منهم الرشد ، وقد يدخل في اليتامى الذكور والإناث ، فلم يخصص بالأمر بدفع ما لهم من الأموال ، الذكور دون الإناث ، ولا الإناث دون الذكور ، وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الذين أمر أولياؤهم بدفعهم أموالهم إليه وأجيز للمسلمين مبايعتهم ، ومعاملتهم ، غير الذين أمر أولياؤهم بمنعهم أموالهم ، وحظر على المسلمين مداينتهم ومعاملتهم ، فإذا كان ذلك كذلك ، فبين أن السفهاء الذين نهى الله المؤمنين أن يؤتوهم أموالهم هم المستحقون الحجر ، والمستوجبون أن يولي عليهم ، وهم من وصفنا صفتهم قبل ، وأن من عدا ذلك فغير سفيه ، لأن الحجر لا يستحقه من قد بلغ ، وأونس رشده . وأما قول من قال : عنى بالسفهاء النساء خاصة ، فإنه جعل اللغة على غير وجهها ، وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلا على فعلاء إلا في جمع الذكور ، أو الذكور والإناث ، وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم ، جمعوه على فعائل وفعيلات ، مثل غريبة تجمع غرائب وغريبات ، فأما الغرباء فجمع غريب . وقال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن " ( 5 / 28 ) : روى سفيان عن حميد الأعرج عن مجاهد قال : هن النساء . قال النحاس وغيره : وهذا القول لا يصح ، إنما تقول العرب في النساء : سفائه أو سفيهات ؛ لأنه الأكثر في جمع فعيلة ، ويقال : لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة . وروي عن عمر أنه قال : من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا ، فذلك قوله تعالى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ } يعني الجهال بالأحكام . وانظر " إعراب القرآن " للنحاس ( 1 / 432 ) .